رئيس التحرير
يزيد الفقيه
Slide
Slide
Slide
Search
Close this search box.

مشروع القرن أم فقاعة حمراء؟ الحقيقة وراء ملعب مانشستر يونايتد الأسطوري

شووت – كووورة

سبعة أشهر مرت منذ أن أعلن مانشستر يونايتد عن خططه لبناء ملعب جديد “أيقوني” يتسع لمئة ألف متفرج، في نفس موقع ملعب أولد ترافورد التاريخي، عبر مقطع فيديو ساحر قدمه المعماري العالمي نورمان فوستر، أحد أبرز الأسماء في تصميم المشاريع الكبرى حول العالم.

يومها، قال السير جيم راتكليف، مالك النادي الشريك والملياردير البريطاني، بلهجة يملؤها الحماس: “اليوم يمثل بداية رحلة مثيرة لبناء أعظم ملعب كرة قدم في العالم”.

لكن يبدو أن هذه “الرحلة المثيرة” سرعان ما تحولت إلى طريق وعر مليء بالعقبات والمطبات، إذ يواجه المشروع مشاكل تتعلق بالأرض، والتمويل، والتصاريح، بل وحتى في جوهر تصميمه المعماري الذي كان من المفترض أن يجعل منه “رمزًا بصريًا عالميًا”.

نزاع بقيمة 350 مليون جنيه إسترليني
أكبر مشكلة تواجه مانشستر يونايتد اليوم ليست مالية بحتة، بل جغرافية، الأرض المخصصة للمشروع تقع ضمن نطاق محطة شحن سكك حديدية تملكها شركة فرايتلاينر (Freightliner)، وهي الجهة التي أصبحت تمثل العائق الأكبر أمام انطلاق الأعمال الإنشائية.

ووفقًا لتقارير الجارديان، فإن الشركة طالبت يونايتد بدفع مبلغ 400 مليون جنيه إسترليني مقابل الأرض، بينما يرى راتكليف أن قيمتها الفعلية لا تتجاوز 50 مليونًا.

قال سيمون جوردان، الرئيس السابق لكريستال بالاس، تعليقًا على الموقف: “من يملك الأرض يملك مفاتيح الفدية. فرايتلاينر تعرف تمامًا أن يونايتد يحتاج تلك القطعة، ولهذا تستخدمها كورقة ضغط”.

رغم المأزق، تلقى راتكليف دعمًا من عمدة مانشستر آندي بيرنهام، الذي أبدى استعداده لتفعيل “أمر شراء إلزامي” باسم هيئة مانشستر الكبرى المشتركة، ما يعني إمكانية استحواذ النادي على الأرض بالقيمة الأصلية (أقل من 50 مليون جنيه).

لكن هذا الخيار سيُدخل المشروع في متاهة بيروقراطية جديدة، قد تستغرق شهورًا وربما سنوات قبل أن تصبح الأرض متاحة قانونيًا للبناء.

السيناريو الأكثر واقعية هو التوصل إلى تسوية “منتصف الطريق” بين الطرفين، بحيث يحصل كل منهما على جزء من مطالبه، مما يتيح توقيع العقود وبدء العمل.

ويدرك مانشستر يونايتد أن الحفاظ على علاقة جيدة مع أصحاب المصلحة المحليين، مثل فرايتلاينر، أمر حاسم في مشروع بهذا الحجم، ليس فقط لتحقيق المكاسب الاقتصادية، بل لكسب التعاطف الشعبي والسياسي في المنطقة.

مظلة الحلم في خطر
حين كشف راتكليف وفوستر عن التصميم للمرة الأولى، كان العنصر الأكثر إبهارًا هو المظلة العملاقة التي تُغطي الملعب بالكامل، لتُشكّل “توقيعًا بصريًا” يجعله مختلفًا عن أي ملعب آخر في العالم. لكن مع تضاعف تكاليف الأرض، بدأت إدارة النادي في إعادة النظر في تصميم المشروع.

بحسب تقرير “ذا أتلتيك”، يدرس يونايتد الآن خططًا بديلة بدون المظلة، بهدف تقليص المساحة المشتراة من فرايتلاينر، وتخفيض التكلفة الإجمالية التي تُقدّر بحوالي 350 مليون جنيه إسترليني — تقريبًا نفس المبلغ المطلوب لشراء الأرض نفسها.

كانت المظلة، كما وصفها فوستر، “مظلة تجمع الطاقة ومياه الأمطار، وتغطي ساحة عامة تعادل ضعف مساحة ميدان ترافالجار في لندن”.

ليست مجرد غطاء معماري، بل رمز متكامل يرتبط بهوية مانشستر يونايتد، إذ صُمم بثلاث رؤوس مستوحاة من رمح “الشيطان الأحمر” في شعار النادي، لتكون تحية فنية لتراثه.

كما أنها تؤدي وظائف عملية، مثل حماية الجماهير من الأمطار المستمرة في مانشستر، وجعل المنطقة المحيطة بالملعب أكثر جذبًا للسياحة والأنشطة التجارية.

قال الرئيس التنفيذي عمر برادة: “لم أر تصميمًا مثل هذا من قبل.. إنه فريد بحق، رمز بصري لن يضاهيه شيء في عالم كرة القدم”، ومع ذلك، قد يضطر النادي إلى التضحية بالرمز لصالح الجدوى الاقتصادية.

إزالة المظلة تعني خسارة العنصر الذي جعل المشروع فريدًا ومثيرًا للجدل في آن واحد. سيصبح الملعب الجديد مجرد “نسخة فاخرة” من أولد ترافورد، بلا هوية معمارية تُميّزه عالميًا.

ورغم هذه المخاطر، يؤكد المطلعون أن النادي لا يزال مصممًا على المضي قُدمًا في التصميم الأصلي، طالما تمكن من شراء الأرض بسعر معقول.

أرقام هائلة.. وأزمة تمويل معقدة
تكلفة المشروع المقدّرة تبلغ ملياري جنيه إسترليني (2.7 مليار دولار)، أي ضعف تكلفة ملعب توتنهام هوتسبير الذي يُعتبر أغلى ملعب في بريطانيا حتى الآن.

ورغم ضخامة الرقم، فإن راتكليف يرى في المشروع استثمارًا طويل الأمد أكثر من كونه عبئًا ماليًا، ويقول النادي إن المشروع سيُسهم في توفير 92 ألف فرصة عمل جديدة، وبناء 17 ألف منزل، واستقطاب 1.8 مليون زائر إضافي سنويًا، بإجمالي أثر اقتصادي يُقدّر بـ 7.3 مليار جنيه إسترليني سنويًا.

لكن الشكوك تتصاعد حول كيفية تمويل هذا الطموح، وفي اليوم الذي أعلن فيه راتكليف عن خطط الملعب، كان قد تحدث عن أزمة مالية تهدد النادي بالإفلاس ما لم تُطبّق خطة تقشف صارمة.

وقال حينها بلهجة ساخرة: “كما كانت تقول والدتي، اهتم بالبنسات وستهتم الجنيهات بنفسها. إذا بدأنا نوفر سيارات أجرة مجانية ووجبات غداء فاخرة، سنفلس بحلول عيد الميلاد!”.

ورغم تصريحاته الساخرة، لم يوضّح راتكليف ولا المدير التنفيذي عمر برادة أي تفاصيل عن مصادر التمويل.. كل ما قاله برادة للصحفيين هو: “نحن ندرس كل الخيارات. المشروع فرصة استثمارية عظيمة، ونحن واثقون من قدرتنا على تمويله”.

ديون متراكمة.. ومخاطر مضاعفة
حتى لو قرر النادي اللجوء إلى القروض البنكية كما فعل توتنهام، فالوضع المالي مختلف جذريًا، حين بدأ توتنهام بناء ملعبه، لم يكن عليه أي ديون تقريبًا، أما مانشستر يونايتد، فيحمل على كاهله عبئًا ضخمًا يُقدّر بأكثر من 1.1 مليار جنيه إسترليني، من ضمنها 637 مليونًا كديون مباشرة، وهي الأعلى في الدوري الإنجليزي الممتاز.

أي اقتراض إضافي سيُفاقم الضغوط على الميزانية، ويرفع معدلات الفائدة التي يدفعها النادي بالفعل، ومع ذلك، يرى خبراء المال أن يونايتد لن يواجه صعوبة في إيجاد مستثمرين، فالمشروع جذاب للغاية من ناحية العائدات المستقبلية، لا سيما وأن الملعب الجديد سيتسع لـ100 ألف متفرج، وهي طاقة هائلة تضمن إيرادات ثابتة على المدى الطويل.

كما أن هناك صناديق استثمار عالمية، مثل صناديق التقاعد والبنوك وشركات رأس المال، تبحث عن مشاريع بنية تحتية رياضية مستقرة تدر أرباحًا منتظمة. بالنسبة لهم، ملعب مانشستر يونايتد الجديد أشبه بـ”منجم ذهبي مستقر” يضمن عائدات من تذاكر المباريات، والرعاية التجارية، والفعاليات، وحتى السياحة الرياضية.

من يدفع الفاتورة في النهاية؟
حتى مع وجود مستثمرين مؤقتين، يدرك الجميع أن التكلفة الحقيقية سيُحمّلها المشجعون أنفسهم، فالنادي يخطط لتقديم نموذج تمويلي يعتمد على ما يُعرف بـ”تراخيص التذاكر الموسمية”، وهو نظام شائع في الملاعب الأمريكية الكبرى، حيث يدفع المشجع رسومًا سنوية للحصول على حق شراء التذاكر.

من المقرر أن يُرسل النادي استبيانًا رسميًا إلى الجماهير قريبًا، لاستطلاع آرائهم حول الأسعار ونماذج الاشتراك والخيارات المتاحة، كما أن النادي يعلم أن نجاح المشروع لا يعتمد فقط على التمويل المؤقت، بل على قبول جماهيري واسع يضمن امتلاء المدرجات في كل مباراة.

الملعب بسعته البالغة 100 ألف متفرج سيكون الثاني في أوروبا بعد كامب نو، والأكبر في بريطانيا بفارق ضخم عن جميع منافسيه، ويؤكد راتكليف أن هدفه ليس بناء صرح ضخم فقط، بل “رمز عالمي يعرفه الجميع من النظرة الأولى”، تمامًا كما يُعرف برج إيفل أو دار أوبرا سيدني.

حلم مستمر رغم العواصف
مشروع ملعب مانشستر يونايتد الجديد لا يزال على الورق، يتقدم بخطوات بطيئة لا تتناسب مع الوعود الكبيرة التي أُطلقت في مارس الماضي، لكن داخل أروقة النادي، لا مكان لفكرة التراجع.

فكما يصف أحد المقربين من راتكليف: “ربما يتأخر المشروع، لكنه لن يُلغى. جيم يرى فيه إرثه الشخصي، أكثر من مجرد مشروع تجاري”.

النادي من جانبه يُصرّ على أنه سيُكمل الرحلة حتى النهاية، حتى لو اضطر لتغيير المسار مؤقتًا أو إعادة تصميم بعض الجوانب.

تمامًا كما قال المدرب البرتغالي روبن أموريم عن فلسفته مع الفريق: “لن نغيّر الاتجاه، ولن نساوم على المبادئ، حتى لو كانت الطريق أطول”.

ربما لا يزال أولد ترافورد قائمًا في شكله القديم، لكنه يقف اليوم كرمز لمرحلة انتقالية في تاريخ مانشستر يونايتد — مرحلة بين الحنين إلى الماضي، والطموح إلى مستقبل ضخم لم يولد بعد.

وربما حين يكتمل هذا المشروع، سيقف المشجعون أمام المظلة (إن وُجدت)، وينظرون إليها كما ينظر الزوار إلى برج إيفل: رمزًا لفكرةٍ تحوّلت من حلم بعيد إلى واقع خالد.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *