
شووت – كووورة
بعد أن هدأت نشوة الفوز النادر على ملعب أنفيلد، وارتفعت أصوات جماهير مانشستر يونايتد مرددة أهازيج النصر على حساب الغريم التاريخي ليفربول، يتجه التركيز الآن نحو التحدي الأصعب الذي يواجه الشياطين الحمر منذ أعوام: تحويل الانتصار الكبير إلى بداية عهدٍ جديد، لا مجرد فجر كاذب آخر.
لقد جاء الانتصار بنتيجة 2-1 في أرض ميرسيسايد ليكسر صمت عقدٍ كاملٍ من الإخفاقات في معقل العدو الأزلي، لكنه في الوقت ذاته أعاد طرح السؤال الأزلي: هل يستطيع مانشستر يونايتد، تحت قيادة روبن أموريم، أخيرًا بناء زخم حقيقي والاستمرار في الطريق الصاعد؟
فالتاريخ القريب لا يطمئن كثيرًا. فعلى مدار الموسمين الماضيين، تكررت مشاهد مماثلة: نتائج مبهرة أمام الكبار، تُتبَع بسقوطٍ متتالٍ أمام خصومٍ متوسطي المستوى. وكأن الفريق محكومٌ بلعنة “اللحظة الجميلة القصيرة”، دون أن يعرف طريق الاستمرارية.
قبل عام واحد فقط، عاد أموريم من أنفيلد بتعادلٍ مثير (2-2)، سبقته انتصارات لافتة على آرسنال في كأس الاتحاد الإنجليزي ومانشستر سيتي في الدوري، ثم اكتساح أتلتيك بيلباو في نصف نهائي الدوري الأوروبي. يومها، بدا وكأن عهدًا جديدًا قد بدأ في أولد ترافورد، لكن سرعان ما تلاشى ذلك الضوء، ليكتشف الجميع أن ما ظنوه فجرًا حقيقيًا لم يكن سوى سرابًا آخر.
فبعد فوزه على آرسنال بركلات الترجيح، عانى الفريق الأمرّين أمام ساوثهامبتون متذيل الترتيب، قبل أن يتلقى 3 هزائم متتالية في الدوري. تكرر المشهد بعد الانتصار على مانشستر سيتي، حين توالت 4 هزائم متتابعة. أما ملحمة بيلباو الأوروبية، فلم تُثمر سوى خيبة جديدة بخسارة النهائي أمام توتنهام.
اليوم، وبعد أول فوزين متتاليين في الدوري تحت قيادة أموريم منذ نوفمبر الماضي، يدرك المدرب البرتغالي أكثر من أي وقت مضى أن بناء فريقٍ مستقر لا يتحقق بالانتصارات الرمزية، بل بخلق هويةٍ قادرة على الاستمرار.
قالها الرجل صراحة بعد هدف هاري ماجواير القاتل في أنفيلد: “اليوم يوم جيد، لكن ما يقلقني هو الغد. أنا قلق بشأن برايتون”. جملة تختصر فلسفة أموريم وتكشف عن وعيه بأن المعارك الكبرى لا تُكسب في الملاعب التاريخية فقط، بل في ملاعبٍ صغيرة أمام فرق لا تملك سوى الطموح.
وفيما يلي ست خطوات يجب أن يسلكها يونايتد لتفادي السقوط مجددًا:
- كسر لعنة “الطبقة المتوسطة”
لطالما كانت أزمة مانشستر يونايتد الحقيقية ليست أمام القمة، بل أمام الوسط. فبينما يرفع أداءه ضد العمالقة، يتعثر أمام أندية كريستال بالاس، برايتون، وبورنموث. هذه الفرق تحديدًا كانت مرآة تعكس هشاشة يونايتد الذهنية، وضعف قدرته على فرض نفسه عندما يكون هو الطرف الأقوى.
برايتون، الخصم المقبل، يمثل اختبارًا صريحًا لذلك. فقد فاز على يونايتد في آخر 3 زيارات له لأولد ترافورد بنتيجة إجمالية (8-3). لا يزال جمهور الشياطين يتذكر كيف غضب أموريم بعد خسارة يناير الماضي أمام “النورس”، إلى درجة أنه حطم شاشة في غرفة الملابس.
الأمر لا يقتصر على برايتون وحده، فاليونايتد خسر ثلاث مباريات وتعادل في واحدة أمام كريستال بالاس خلال العامين الماضيين، وتلقى هزيمتين ثقيلتين من بورنموث بنتيجة (3-0) في ديسمبرين متتاليين.
إن أراد أموريم فعلاً كتابة فجرٍ جديد، فعليه هزيمة هذه الفرق قبل أن يفكر في مقارعة مانشستر سيتي أو ليفربول.
- الحفاظ على توهج سان لامينز
في الوقت الذي خطف فيه الفوز في أنفيلد الأضواء، كان هناك بطلٌ خفي: الحارس البلجيكي سان لامينز. هذا الشاب البالغ من العمر 23 عامًا، والذي بدأ موسمه الأول بقميص الشياطين الحمر بهدوءٍ وثقة، قدم ما كان ينقص الفريق منذ رحيل دافيد دي خيا: الطمأنينة.
لا يُسجل لامينز تصديات خارقة، لكنه يتقن الأساسيات: تمركز ممتاز، خروج ذكي في العرضيات، تعامل هادئ مع الكرة، وتقدير سليم للمخاطر. وهذا بحد ذاته مكسب عظيم بعد سلسلة أخطاء أندريه أونانا وألتاي بايندير التي أفقدت الدفاع ثقته بنفسه.
الأمر الأهم أن لامينز أصبح ركيزة في أسلوب اللعب الجديد؛ فكراته الطويلة الدقيقة ساهمت في الفوز على ليفربول بعدما نجح يونايتد في الاستحواذ على الكرات الثانية، مستفيدًا من موقعه المتقدم في الملعب.
يحتاج أموريم الآن إلى حمايته من الضغوط القاتلة التي أرهقت أسلافه، من بارتيز إلى فوستر، وحتى أونانا نفسه.
قال لامينز بعد المباراة: “أبذل قصارى جهدي، وأحاول تجاهل الضجيج الخارجي”.. كلمة السر إذن: الهدوء. فإذا حافظ عليه، فقد يجد يونايتد أخيرًا الحارس الذي يبحث عنه منذ سنوات.
- اللعب بذكاء… لا بالاستحواذ
حين جاء أموريم إلى مانشستر يونايتد، أعلن أنه يؤمن بكرة القدم القائمة على السيطرة. لكن التجربة الإنجليزية القاسية علّمته أن الاستحواذ ليس غاية، بل فخ.
فأفضل نتائج الفريق جاءت حين تراجع استحواذه على الكرة. ضد ليفربول امتلك 36.5% فقط، أمام سندرلاند بالكاد تجاوز النصف، وضد تشيلسي لم يتعدَّ 41%. لكن حين امتلك الكرة أكثر من خصومه — كما حدث ضد مانشستر سيتي — جاءت الهزيمة.
إحصائيًا، خسر يونايتد مبارياته الثلاث هذا الموسم وهو الأكثر استحواذًا، وفاز أربع مرات عندما ترك السيطرة للخصم. قد يبدو الأمر غير منطقي، لكنه يعكس التوازن الجديد الذي يسعى أموريم لفرضه: اللعب العملي، السريع، القائم على الانتقال المباشر بدل التدوير العقيم.
فكرة مشابهة لما يطبقه أوليفر جلاسنر في كريستال بالاس، الذي يحتل أحد أدنى معدلات الاستحواذ في الدوري، لكنه ينافس بثبات.. يونايتد لا يحتاج إلى “امتلاك الكرة”، بل إلى امتلاك الفاعلية.
- استمرارية الشراكة الذهبية بين أماد ومبيومو
من كان يتخيل أن يصبح أماد ديالو، الجناح الموهوب، ظهيرًا أيمن أساسيا في تشكيلة يونايتد الجديدة؟ لقد تحوّل من بديلٍ عابر إلى أحد مفاتيح الفريق التكتيكية، بفضل شراكته المتوهجة مع برايان مبيومو في الجهة اليمنى.
ثلاثة من أصل أربعة انتصارات هذا الموسم جاءت بمشاركته أساسيًا في هذا المركز. في أنفيلد، صنع الهدف الأول لمبيومو، وكان مصدر التهديد الأبرز قبل خروجه احترازيًا بعد البطاقة الصفراء. وحين غاب عن مباراة برينتفورد بسبب وفاة أحد أقاربه، خسر الفريق فورًا.
اليوم، ومع عودة نصير مزراوي من الإصابة، قد يُغري ذلك أموريم بالتبديل، لكن المنطق يقول إن الحفاظ على شراكة أماد – مبيومو أصبح ضرورة تكتيكية، لا مجرد خيارٍ بديل. فالإيفواري يمنح الفريق توازنًا هجوميًا ودفاعيًا نادرًا، وقد قال عنه مدربه بعد مباراة ليفربول: “إنه مثالي لهذا المركز”.
منح الثقة للاعبين الشباب هو رهان أموريم الأكبر، وقد يكون أماد هو التجسيد الأجمل لذلك.
- المداورة الذكية بين كونيا وسيسكو
كانت المفاجأة الأبرز قبل مواجهة ليفربول غياب بنجامين سيسكو عن التشكيل الأساسي، لكن أموريم كان يعلم ما يفعل. اختار ماتيوس كونيا كمهاجم وهمي، ونجح تمامًا في زعزعة دفاع الريدز بفضل حركته الدائمة وقدرته على الربط بين الخطوط.
قال المدرب البرتغالي بعد المباراة: “إذا لعبنا بسيسكو، يصبح من السهل على مدافعي الخصم مراقبته. كونيا يمنحنا مرونة أكثر”.
وبالفعل، كانت تحركاته المتبادلة مع ماونت ومبيومو سببًا رئيسيًا في خلق المساحات وإرباك خطوط ليفربول. ثم جاء دور سيسكو في الشوط الثاني، ليستغل قوته البدنية في الدفاع عن التقدم وإغلاق المنافذ الهوائية.
ما فعله أموريم هنا هو تطبيق مبدأ “الاختلاف البنّاء”: استخدام مهاجمين بنمطين متناقضين لخدمة الخطة حسب مجريات المباراة. قد يُزعج هذا سيسكو الطموح، لكنه تكتيك يوفّر للفريق توازنًا هجوميًا ودفاعيًا يصعب مجاراته.
- الاستمرار في اعتماد اللعب المباشر والكرات الطويلة
قد يكون أكثر ما أثار الجدل بعد مباراة أنفيلد هو تصريح آرني سلوت، مدرب ليفربول، حين وصف يونايتد بـ”فريق الكرات الطويلة”. لكن الحقيقة أن هذه الجملة كانت إشادة مقنّعة لا انتقادًا.
فالدوري الإنجليزي الحالي يتجه نحو كرة أكثر مباشرة، كما تؤكد بيانات “أوبتا” التي أظهرت أن عدد التمريرات القصيرة هذا الموسم هو الأدنى منذ 15 عامًا.
الكرة الحديثة لم تعد تدور حول “الاستحواذ الجمالي”، بل حول الوصول الأسرع إلى المرمى.
أموريم فهم ذلك بسرعة، فحرر حراسه من التعليمات القديمة بعدم التشتيت، ومنحهم الضوء الأخضر للعب المباشر نحو الأمام. وبات الفريق يعتمد على الكرات الطويلة المنظمة من لامينز، وعلى الرميات الجانبية الخطيرة لديوجو دالوت كسلاح تكتيكي إضافي.
ولأن جماهير أولد ترافورد، كما قال أموريم ساخرًا، “سهلة الإرضاء”، فهي لا تمانع الطريقة طالما ترى النتيجة. لذا، فليتجاهل المدرب الانتقادات الجمالية، وليواصل تطوير أسلوبه الواقعي الذي أعاد ليونايتد روحه المفقودة
ما بين الأمل والخوف
فوز أنفيلد لم يكن مجرد ثلاث نقاط، بل فرصة أخيرة لإعادة الثقة إلى مشروعٍ كاد أن يتهاوى. لكن النجاح الحقيقي لن يُقاس بعدد التغريدات التي تمجد أموريم أو الهتافات في المدرجات، بل بالقدرة على تثبيت هذا الزخم أمام خصومٍ أقل بريقًا وأكثر عنادًا.
لقد عاش مانشستر يونايتد كثيرًا على لحظات البطولة العابرة، لكنه لم يعرف منذ سنوات طعم “الاستقرار”. الآن، كل شيء بيد أموريم: إن نجح في كسر دائرة الإشراقات الزائلة، فقد يكتب التاريخ بأنه الرجل الذي أعاد الشياطين إلى الحياة. أما إن عاد الفريق إلى عادته القديمة في الانهيار بعد المجد، فسيكون ما حدث في أنفيلد مجرد فجر كاذب جديد.. لا أكثر.
