
شووت – كووورة
عندما وطأت أقدام جابرييل مارتينيلي أرضية ملعب الإمارات في أغسطس 2019، لم يكن أحد يتوقع أن تمر ست سنوات كاملة دون أن ينجح الجناح البرازيلي في تفجير كامل طاقاته الكامنة.
يومها، صنع هدفًا مذهلًا بكعب القدم ضد نوتنجهام فورست، تمريرة خلدتها جماهير آرسنال كواحدة من أجمل لحظات الموسم. بدا حينها أن مستقبل الفتى القادم من ساو باولو سيكون مشرقًا، وأن النادي اللندني قد عثر على جوهرته الهجومية الجديدة.
لكن الزمن مضى سريعًا، واليوم، مارتينيلي البالغ من العمر 24 عامًا يجد نفسه على مفترق طرق خطير. موهبته ما زالت واضحة، وسرعته قادرة على تمزيق أي دفاع، لكن استمراريته ظلت غائبة، وقراراته داخل الملعب كثيرًا ما أثارت التساؤلات.
ومع وصول صفقات جديدة مثل إيبيريتشي إيزي ونوني مادويكي، وتجديد عقد لياندرو تروسارد، أصبحت مكانة البرازيلي داخل التشكيلة الأساسية في مهب الريح.
بداية ملتهبة.. ونهاية باهتة
لا يمكن إنكار أن مارتينيلي لعب دورًا محوريًا في مشروع ميكيل أرتيتا منذ توليه القيادة الفنية. في موسم 2022-2023 مثلًا، سجل 15 هدفًا وصنع 5 تمريرات حاسمة في الدوري، وكان أحد أسلحة الفريق الأساسية على الجناح الأيسر. غير أن هذا الزخم انحسر تدريجيًا مع إصابات زميله جابرييل جيسوس، الذي كان يشكل معه ثنائيًا متناغمًا على الجهة اليسرى.
كما تأثر مستواه برحيل جرانيت تشاكا وتراجع أدوار أولكسندر زينتشينكو الهجومية، ما أفقده الدعم الذي كان يجده في ذلك الجانب. ومع تغيّر أسلوب أرتيتا التكتيكي نحو الحذر والضغط العالي، فقد مارتينيلي شيئًا من حريته الإبداعية التي كانت تميزه.
أزمة ثقة واضحة
الدليل الأبرز على تراجع مارتينيلي جاء مع بداية موسم 2025-2026. ففي مباراة مانشستر يونايتد على ملعب الإمارات، استبدله أرتيتا بعد ساعة فقط من اللعب بسبب قلة الفاعلية. ثم جلس على مقاعد البدلاء في الفوز الكاسح على ليدز بخماسية نظيفة.
وعندما عاد إلى التشكيلة أمام ليفربول في أنفيلد، لم يقدم ما يليق بموهبته. لمس الكرة 15 مرة فقط طوال 70 دقيقة، ولم ينجح في أي مراوغة، وأضاع هجمة مرتدة خطيرة بانفراده بالكرة بشكل فردي بدل تمريرها لزميله فيكتور جيوكيريس.
تلك اللحظة كانت تجسيدًا لأزمة الثقة التي يعاني منها، وسببًا في غضب جماهير آرسنال التي اعتادت على جرأته في سنواته الأولى.
المنافسة تزداد ضراوة
في المقابل، استغل نوني مادويكي الفرصة ببراعة، إذ قدم مستوى لافتًا في مركز الجناح الأيمن، مزعجًا دفاعات ليفربول بسرعته ومهارته، وأظهر قدرات تكتيكية تمنحه أفضلية في خطة أرتيتا. اللاعب الإنجليزي الشاب يتميز باستخدام كلتا قدميه، ما يجعله خيارًا أكثر مرونة من مارتينيلي الذي يصر على الاعتماد على قدمه اليمنى.
أما إيبيريتشي إيزي، الوافد من كريستال بالاس مقابل 60 مليون جنيه إسترليني، فقد أضاف بعدًا مختلفًا. في ظهوره الأول ضد ليفربول، منح آرسنال ديناميكية جديدة بفضل مراوغاته وانطلاقاته في العمق، وأظهر أنه قادر على تقديم ما يفتقده مارتينيلي حاليًا: الإبداع وصناعة الحلول في المساحات الضيقة.
دعم أرتيتا لا يزال قائمًا
رغم كل ذلك، لا يزال ميكيل أرتيتا متمسكًا بلاعبه. المدرب الإسباني أكد أكثر من مرة أن “جابي لاعب أساسي في خططي”، وأنه “مهم في بدء وإنهاء الهجمات”. لكن هذا التصريح لا يلغي حقيقة أن المدرب بدأ يفقد صبره مع جناحه البرازيلي، خاصة إذا استمر أداؤه الباهت.
من الجدير بالذكر أن أندية كبرى مثل بايرن ميونخ أبدت اهتمامها بخدمات مارتينيلي الصيف الماضي، لكن أرتيتا رفض التخلي عنه، معتبرًا أن اللاعب ما زال قادرًا على تقديم إضافة كبيرة للفريق.
من منظور آخر، يمكن القول إن مارتينيلي ضحية للتغييرات الهيكلية في آرسنال. الفريق الذي كان يعتمد على الهجمات السريعة والتحولات، أصبح يلعب بطريقة أكثر تحفظًا تعتمد على السيطرة والضغط، ما حدّ من المساحات التي يبدع فيها الجناح البرازيلي.
لكن من جهة أخرى، اللاعب نفسه لم يطوّر من أدواته بما يتناسب مع المرحلة. لم يطور استخدام قدمه الضعيفة، ولم يصبح أكثر ذكاءً في التمركز أو اتخاذ القرار. والنتيجة: خصوم الدوري الإنجليزي صاروا يعرفون كيف يوقفونه بسهولة، بمجرد إغلاق المسار على قدمه اليمنى.
فرصة الشراكة وخيار “المركز الجديد”
رغم كل الانتقادات، لا يزال هناك بصيص أمل. وصول فيكتور جيوكيريس قد يفتح لمارتينيلي بابًا جديدًا، إذ يميل المهاجم القادم من سبورتينج لشبونة للتحرك نحو الجهة اليسرى، ما يمنح البرازيلي حرية أكبر لدخول منطقة الجزاء.
إذا نجح الثنائي في بناء شراكة مماثلة لعلاقة مارتينيلي القديمة مع جيسوس، فقد يستعيد الجناح بريقه المفقود. إضافة إلى ذلك، وجود بييرو هينكابي كظهير هجومي قادر على التقدم سيخلق مساحات إضافية لمارتينيلي على الأطراف.
هناك أيضًا حديث عن إمكانية إعادة توظيف مارتينيلي في مركز صانع الألعاب رقم 10، خاصة مع إصابة كاي هافرتز. اللاعب سبق وأن لعب كمهاجم متأخر في عهد أوناي إيمري، وأحرز هدفًا مهمًا ضد ليفربول الموسم الماضي عند إشراكه في هذا المركز.
هذا التحول قد يكون فرصة لتجديد مسيرته داخل الفريق، وإعادة اكتشاف نفسه كلاعب أكثر شمولية، بدلًا من الاكتفاء بدور الجناح التقليدي.
شعاع أمل.. والفرصة الأخيرة؟
على الصعيد الدولي، يعيش مارتينيلي فترة أكثر إشراقًا. تحت قيادة كارلو أنشيلوتي، حصل على فرص متتالية في التشكيلة الأساسية للمنتخب البرازيلي. شارك في الفوز على تشيلي بثلاثية نظيفة، وأظهر مستوى جيدًا بجوار رافينيا وجواو بيدرو.
هذا الدعم من مدرب بحجم أنشيلوتي قد يعيد له الثقة، ويمثل دافعًا كبيرًا لإثبات نفسه مع أرسنال. لكن الأمر سيبقى مرهونًا بقدرته على ترجمة أدائه الدولي إلى نجاح على مستوى النادي.
لكن الإحصائيات تؤكد حقيقة تراجع مارتينيلي. في موسم 2024-2025، اكتفى بتسجيل 10 أهداف وصناعة 6 في 51 مباراة بكل البطولات. أرقام جيدة للاعب عادي، لكنها لا تليق بجناح يُفترض أن يكون أحد أعمدة مشروع آرسنال الساعي لحصد الألقاب الكبرى.
مقارنة بموسمه الأفضل 2022-2023، يتضح أن التطور توقف بل وربما تراجع، وهو ما يزيد الضغط على اللاعب في موسمه السادس داخل شمال لندن.
في النهاية، يمكن القول إن موسم 2025-2026 سيكون حاسمًا لمستقبل مارتينيلي في آرسنال. إذا لم يستغل كل دقيقة تُمنح له لإظهار قدراته، فإن النادي قد يقرر بيعه الصيف المقبل، خاصة في ظل اهتمام أندية أوروبية كبرى بخدماته.
ما زال يملك السرعة والمهارة والحماس، لكن ما ينقصه هو الاستمرارية والتطور الذهني. إذا أراد أن يترك بصمة حقيقية في تاريخ النادي، فعليه أن يستعيد جرأته القديمة، ويُخرج أفضل ما عنده. فالوقت ينفد، والمنافسة لا ترحم.
